سيد محمد طنطاوي

137

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

حقيقة وإنما أراد أنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه ، فكيف تحاجونه فيما لا علم لكم به البتة » « 1 » . وقوله - تعالى - * ( واللَّه يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * تذييل قصد به تأكيد علم اللَّه الشامل ، ونفى العلم عن أهل الكتاب في شأن إبراهيم . أي واللَّه - تعالى - يعلم حال إبراهيم ودينه ، ويعلم كل شيء في هذا الوجود ، وأنتم لا تعلمون ذلك ثم صرح - سبحانه - ببراءة إبراهيم من كل دين يخالف دين الإسلام فقال - تعالى : * ( ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * . وقوله * ( حَنِيفاً ) * من الحنف وهو ميل عن الضلال إلى الاستقامة ، بعكس الجنف فهو ميل عن الاستقامة إلى الضلال ويقال : تحنف الرجل أي تحرى طريق الاستقامة . أي : ما كان إبراهيم - عليه السّلام - في يوم من الأيام يهوديا كما قال اليهود ، ولا نصرانيا كما قال النصارى ولكنه كان حنيفا أي مائلا عن العقائد الزائفة متحريا طريق الاستقامة وكان « مسلما » أي مستسلما اللَّه - تعالى - منقادا له مخلصا له العبادة * ( وما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * الذين يشركون مع اللَّه آلهة أخرى بأن يقولوا إن اللَّه ثالث ثلاثة ، أو يقولوا عزير ابن اللَّه أو المسيح ابن اللَّه أو غير ذلك من الأقوال الباطلة والأفعال الفاسدة . ففي هذه الآية الكريمة تنويه بشأن إبراهيم ، وتعريض بأولئك الكافرين من أهل الكتاب الذين ادعوا أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا بأنهم هم المشركون بخلاف إبراهيم فقد كان مبرأ من ذلك . أخرج الإمام مسلم والترمذي وأبو داود عن أنس رضى اللَّه عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : يا خير البرية . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « ذاك إبراهيم عليه السّلام » . ثم أصدر - سبحانه - حكمه الحاسم العادل في هذه القضية التي كثر الجدل فيها فقال : * ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه وهذَا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّه وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) * . وقوله - تعالى - * ( أَوْلَى ) * أفعل تفضيل من الولي وهو القرب . والمعنى : إن أقرب الناس من إبراهيم ، وأخصهم به ، وأحقهم بالانتساب إليه أصناف ثلاثة :

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 95 .